تلغنجا: عروس المطر التي كانت تطوف قرى إمغران

حين يتأخر المطر، كانت النساء والأطفال يُلبسون مغرفة خشبية زيّ عروس ويطوفون بها في القرية لاستدعاء أمزار، أي المطر. الأسطورة والطقس، ونهايته الهادئة في آيت زاغار.

18 أكتوبر 2026
7 دقائق للقراءة
دمية تلغنجا، مغرفة خشبية في زيّ عروس، منتصبة في مجرى وادٍ جاف
تلغنجا تنتظر قدوم الوادي في مجرى جاف، جنوب شرق المغرب. تصوير: مصطفى ملو، رخصة CC BY-SA 4.0

حين كان المطر يتأخر ويبدأ الشعير الأخضر بالذبول في الحقول، كان لقرى إمغران جوابٌ أقدم من قصباتها: تأخذ النساء المغرفة الخشبية الكبيرة من المطبخ، ويُلبسنها زيّ عروس، ويطفن بها من باب إلى باب والأطفال خلفهن يرددون الأهازيج، داعين أمزار، أي المطر (ويُسمى «أنزار» في أغلب المناطق الأمازيغية الأخرى). كنّ يسمّينها تلغنجا (ⵜⵍⵖⵏⵊⴰ).

هذا الطقس من أقدم طقوس شمال إفريقيا وأوسعها انتشاراً، إذ رصده الإثنوغرافي الفرنسي إميل لاوست سنة 1920 «من المحيط الأطلسي إلى برقة». وفي إمغران عاش حتى قرننا هذا: ففي آيت زاغار ظل الموكب يخرج حتى مطلع العقد الثاني من هذا القرن، ثم توقف.

هذا المقال، وهو الأول في سلسلتنا الجديدة عن الأساطير، يجمع ما نعرفه عن تلغنجا: اسمها وأسطورتها وأهازيجها، بعد مقارنة مقال ويكيبيديا العربية بالمصادر الأقدم التي اعتمد عليها.


🥄 مغرفة في زيّ عروس

يعود الاسم إلى أغنجا (ⴰⵖⵏⵊⴰ)، المغرفة الخشبية الكبيرة التي يُغرف بها الحساء والكسكس ويُستقى بها الماء. وحين تُكسى تصير دمية: قعرها المستدير رأسٌ، وقطعة قصب مربوطة عرضاً تصنع الكتفين، وتضيف النساء ثوب العروس والمنديل والقلائد والأقراط. وفي بعض القرى كانت تُربط مغرفتان متقابلتان، قعراهما نحو السماء ككفّين مرفوعتين بالدعاء.

يتغير الاسم من وادٍ إلى آخر: تلغنجا، تلاغنجا، تاغنجا، تاغونجا، أو «بلغنجا» و«تغنجة» في المناطق الناطقة بالدارجة، لكن الفكرة واحدة. ويقرأ بعض اللسانيين «تلاغنجا» بمعنى «صاحبة المغرفة» (تْلا + أغنجا)، و«تلغنجا» بمعنى «المغرفة الملفوفة». وفي مناطق أخرى تسمى الدمية ببساطة تيسليت ن أونزار، أي «عروس المطر»، وهي الكلمات نفسها التي يسمي بها كثير من الأمازيغ قوس قزح. وحيث لا توجد مغرفة، قد تُصنع الدمية من قمع أو قصبة أو مذراة، وتحتفظ مع ذلك باسم المغرفة.

أغنجا، مغرفة خشبية كبيرة ملقاة على أرض جافة
أغنجا، المغرفة الخشبية التي تُصنع منها تلغنجا. تصوير: مصطفى ملو، رخصة CC BY-SA 4.0

⚡ أنزار وعروسه

أنزار (ⴰⵏⵥⴰⵔ) هي الكلمة الأمازيغية القديمة المشتركة بين اللهجات للدلالة على المطر، وفي هذه الطقوس يصير المطر شخصاً: كائناً مذكّراً، سيّدَ المطر.

وفي إمغران تُنطق هذه الكلمة أمزار (ⴰⵎⵥⴰⵔ) بالميم لا بالنون: إنها الكلمة نفسها في صيغتها المحلية، وقد رصد اللساني سالم شاكر هذا النطق أيضاً في ورقلة وفي بعض مناطق الريف. أما المصادر القديمة المذكورة في هذا المقال فقد دُوّنت في مناطق أخرى، لذلك تكتب «أنزار»؛ فحيثما وردت، اقرأها في إمغران «أمزار».

أما الحكاية الوحيدة المعروفة التي تفسّر الطقس، فقد دوّنها هنري جونوفوا لدى آيت زيكي في منطقة القبائل بالجزائر، ولخّصها بعده المؤرخ غابرييل كامبس:

أراد أنزار، سيد المطر، أن يتزوج فتاة بارعة الجمال كانت تستحم في نهر فضّي اللون، فصدّته خوفاً من كلام الناس. أدار أنزار الخاتم في إصبعه، فجفّ النهر واختفى. صرخت الفتاة نحو السماء: «يا أنزار، أعِد للنهر جريانه!»، فعاد إليها في هيئة برق عظيم، فجرى النهر من جديد واخضرّت الأرض.

«ذلك أصل هذه العادة»، يختم النص: في أوقات الجفاف لا بد من تقديم عروس لأنزار. وبحسب الرواية نفسها، كانت فتاة حقيقية تؤدي هذا الدور قديماً، قبل أن تحلّ محلها مغرفة مزيّنة. وقد بقيت روايات من هذه الحكاية متداولة في تافيلالت ونواحي ميدلت إلى حدود سنة 2011 على الأقل.

ورأى لاوست في الدمية الأرضَ نفسها، عروساً تنتظر زوجها المطر: فموكبها، كما كتب، «له كل مظاهر موكب الزفاف»، وفي بعض القرى كانت تسير إلى جانبها دمية ثانية تسمى أرݣاز ن تلغنجا، أي «زوج تلغنجا». ويضيف كامبس أن أنزار نفسه كان يُمثَّل في بعض مناطق الأطلس الكبير، مرتدياً السواد كسماء مثقلة بالغيوم.


🚶‍♀️ كيف كان يجري الطقس

لم يكن لتلغنجا موعد في التقويم. كانت تُستدعى كلما انحبس المطر، وغالباً في الشتاء أو مطلع الربيع، حين تكون الحبوب قد نبتت ويمكن لموجة جفاف أن تُضيّع الموسم كله. ومن منطقة إلى أخرى، ظل جوهر الطقس واحداً.

العروس

كانت نساء متقدمات في السن، معروفات بالتقوى وحسن السيرة، يتولين إلباس المغرفة. ففي مراكش يصف لاوست كيف يربطن مغرفتين كبيرتين متصالبتين في طرف قصبة طويلة، ويرسمن العينين والأنف والفم على قعر المغرفة، ويُحمّرن الخدين، ويلففن الرأس بمناديل الحرير. ويلاحظ أن «سكان حوز مراكش وقبائل الأطلس الكبير يولون عناية خاصة لصنع هذه الدمية».

امرأتان جالستان على زربية تُلبسان دمية تلغنجا
امرأتان تُلبسان تلغنجا قبل خروج الموكب. تصوير: مصطفى ملو، رخصة CC BY-SA 4.0

الموكب

كان الموكب للنساء والأطفال. يحملون العروس عبر الأزقة وحول القرية وصولاً إلى أضرحة الأولياء. وعند كل باب ترشّ الأسرة الماء على الدمية ومرافقيها، محاكاةً للمطر المرجوّ، ثم تقدّم ما تيسّر للقِدر: دقيقاً وزيتاً وخضراً وأحياناً لحماً. وعند آيت شيتاشن قرب دمنات، كانت النساء يُنزلن الدمية في الميازيب بينما تُفرغ عليها جرار الماء من أعلى السطوح. ولم يكن للرجال موكبهم الخاص إلا عند بعض قبائل الأطلس المتوسط، حيث يطوفون بدمية تسمى «علي بو تݣلموست»، أي «علي صاحب القلنسوة»، بالأهازيج نفسها والماء نفسه والعطايا نفسها.

أطفال في قرية جبلية يحملون دمية تلغنجا في موكب
أطفال يحملون تلغنجا عبر القرية. تصوير: مصطفى ملو، رخصة CC BY-SA 4.0

الأهازيج

اختلفت الكلمات من مكان إلى آخر، لكنها كانت تطلب الشيء نفسه دائماً. وقد دوّن لاوست هذه الأهزوجة عند آيت شيتاشن، على الجانب الآخر من الأطلس قبالة إمغران:

تلغنجا ڭراغد أنزار، يا تلغنجا أمطري علينا
تلغنجا أويد أنزار، يا تلغنجا ائتينا بالمطر
أتنكر توڭا ڭ إغالن، لينبت العشب على التلال
أد إيلين إزامارن، وتكثر الخرفان

وفي السهول الناطقة بالدارجة حول مراكش، كانت النساء يرددن:

تاغنجا حلّات راسها، يا ربي بلّ خراصها
تاغنجا يا مّ الرجا، يا ربي جيب الشتا

ومن جهة الجنوب الشرقي، عند آيت خباش، تطلب الأهزوجة من تلغنجا أن ترفع كفّيها إلى السماء وتسأل الله مطراً غزيراً، لأن «الأرض قد جفّت».

دمية تلغنجا جالسة على كرسي، مكسوّة ومحجّبة كعروس
تلغنجا آيت خباش، مزيّنة كعروس حقيقية. تصوير: مصطفى ملو، رخصة CC BY-SA 4.0

الوليمة المشتركة ومصير الدمية

كانت العطايا التي تُجمع من البيوت تُطبخ في وجبة جماعية، غالباً كسكس يسمى في مناطق كثيرة «المعروف»، يؤكل جماعةً قرب ضريح أو على ضفة الوادي أو بمحاذاة الساقية.

وبعد ذلك كانت الدمية تُجرَّد من ثيابها وتُفكّ، أو تُتلف. ففي تافيلالت كانت النساء يختمن الموكب بعراك تمثيلي يُمزّق الدمية، وتحتفظ كل واحدة بقطعة منها في صندوق العائلة طلباً للبركة. وفي تيمڭيسين كان الأطفال يدفنونها في مقبرة مهجورة. ونواحي أمزميز وإيمي نتانوت كانت تُرمى في بركة: فإن غطست برأسها أولاً كانت السنة ممطرة. أما في منطقة القبائل فكانت المغرفة تعود ببساطة إلى صاحبها، يحفظها للجفاف المقبل.

قدور الكسكس تُطهى على نار الحطب بمحاذاة جدار
كسكس تلغنجا يُطهى على نار الحطب مما جُمع من البيوت (2023). تصوير: مصطفى ملو، رخصة CC BY-SA 4.0

☀️ وحين لا يتوقف المطر

كانت المغرفة تعمل بالعكس أيضاً. فحين كانت العواصف تهدد المحصول، كانت امرأة عند إمتوڭة، هي في الغالب زوجة فقيه القرية، تقلب المغرفة فتجعل قعرها نحو الأرض: كفى ماءً.

ودوّن لاوست طقساً من هذا النوع عند إمغران (Imeghran بالرسم الفرنسي القديم)، الذين يصف في الكتاب نفسه بيوتهم العالية ومخازنهم المحصّنة. فلإيقاف مطر لا ينقطع، كانت المرأة تُحمي كسرة فخار في النار، ثم تلقيها في جرة فيها ماء مطر ممزوج بحليب النعاج، وتحمل الجرة إلى ملتقى الطرق فتكسرها هناك قائلة:

«هكذا فلتُمحَ الفاقة! يا الله، أغثنا وأعِد إلينا اليُسر!»
(إمغران، حسب إميل لاوست، 1920)

إنه أثر مكتوب نادر، عمره أكثر من قرن، لمعتقدات إمغران المرتبطة بالمطر.


🏔️ تلغنجا في إمغران

في إمغران، كانت تلغنجا جزءاً من العالم نفسه الذي تنتمي إليه السواقي والبيادر والعمل المشترك في الحصاد: حين ينحبس المطر، تخرج النساء والأطفال لاستدعائه. وقد لاحظ غابرييل كامبس أن هذا الطقس، الذي عرفه المغرب الكبير كله، بقي «أكثر حيوية في المناطق شبه الصحراوية»، وهو العالم الذي تنتمي إليه إمغران على السفح الجنوبي للأطلس الكبير.

وفي آيت زاغار ظل الموكب يخرج حتى مطلع العقد الثاني من هذا القرن. ثم توقف.

بيوت طينية في إحدى قرى آيت زاغار بإمغران
قرية من قرى آيت زاغار، حيث ظلت تلغنجا تطوف الأزقة حتى مطلع سنوات 2010

ويُرجع الباحثون الذين تتبّعوا تراجع هذا الطقس في المغرب ذلك إلى أسباب متشابهة: لم يعد الناس يؤمنون به، وغيّرت المدرسة والنشرات الجوية فهمهم للجفاف، وفتح التلفاز والإنترنت والهجرة القرى على العالم، وكثيراً ما يُنظر إليه باستخفاف بوصفه خرافة، أو يُختزل في عرض فولكلوري. وقد لاحظ تقرير لهسبريس كُتب خلال جفاف 2022 أن معظم طقوس الاستمطار هذه قد اندثرت اليوم من البادية المغربية. وأعادت بعض الجمعيات إحياء تلغنجا بوصفها تراثاً، كما حدث نواحي تنغير سنة 2020، وفي توروݣ بإقليم الرشيدية سنة 2021.

بل إن الطقس أعطى اسمه لفيلم من كلاسيكيات السينما المغربية: «تغنجة» (1980) لعبدو عشوبة، بمشاركة العربي باطما وعمر السيد من مجموعة ناس الغيوان.

هل مشيت يوماً خلف تلغنجا في إمغران، أو تتذكر الكلمات التي كانت تُردَّد في قريتك؟ شاركنا ذكرياتك حتى لا تضيع الرواية المحلية.


📚 المصادر

صور الطقس: مصطفى ملو على ويكيميديا كومنز، برخصة CC BY-SA 4.0. صورة آيت زاغار: معرض إمغران.